الأسيران الفلسطينيان المحرران عهد التميمي وشادي فراح: نريد نقل تجربتنا إلى أطفال ذاقوا مرارة الاعتقال

 

 
 

 

 


الأحد , 3 فبراير , 2019

الأسيران الفلسطينيان المحرران عهد التميمي وشادي فراح: نريد نقل تجربتنا إلى أطفال ذاقوا مرارة الاعتقال

26 - يناير - 2019
الأسيران الفلسطينيان المحرران عهد التميمي وشادي فراح: نريد نقل تجربتنا إلى أطفال ذاقوا مرارة الاعتقال

حاورهما: عبد الحميد صيام
0
حجم الخط

عرفتهما قبل أن أتعرف عليهما شخصيا. شادي فراح، أصغر أسير فلسطيني، وعهد التميمي أشهر أسيرة فلسطينية من فئة الأطفال. ومن جميل الصدف لي شخصيا ولقراء “القدس العربي” أنني كنت في زيارة لفلسطين عندما اعتقلت عهد وعملت أول لقاء مع والدها باسم التميمي، ثم كنت في بلدها النبي صالح لاستقبلها عند تحررها وأدلت بأول تصريح بعد خروجها أمام حشد كبير لوسائل الإعلام من بينها “القدس العربي”. أما شادي فتابعت قصته منذ اعتقاله بتاريخ 29 كانون الأول/ديسمبر 2015 وأثرت قضيته مرارا وتكرارا في مقر الأمم المتحدة مع ستيفان دوجريك، المتحدث الرسمي للأمين العام للأمم المتحدة، وشاءت الصدف أن أصل الوطن بعد خروجه من الأسر بأيام فكانت الفرصة الجميلة أن التقي بعهد وشادي في رام الله حيث قررا أن يضما جهودهما لتثقيف الأطفال حول الاعتقال وظروف السجن وكيفية مواجهة المحققين والصمود وعدم الانكسار مع بداية الاعتقال. والنتيجة التي خرجت بها من لقاء شادي وعهد أنهما دخلا سجون الاحتلال الظالم وهم أطفال أبرياء وخرجا منه أبطالا قادرين على التأثير والتثقيف والصمود والإبداع والنضال الحضاري والفعال الذي سيحقق في المحصلة أهداف الشعب الفلسطيني في التحرير والتحرر والاستقلال والسيادة.

وفي ما يلي نص الحوار:

شادي فراح

*نبدأ بتعريف القراء من هو شادي فراح؟

** أنا الأسير المحرر شادي فراح، اعتقلت بتاريخ 29 كانون الأول/ديسمبر عام 2015 وكان عمري آنذاك 12 سنة. قضيت في السجن ثلاث سنوات كاملة وتحررت يوم 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2018. وجهوا لي تهمة “الطعن” أي أنني كنت أنوي طعن جندي أنا وصديقي أحمد الزعاترة ونحن كنا عائدين من المدرسة ولم يكن معنا إلا حقائبنا المدرسية. وهذه تهمة باطلة لا أساس لها من الصحة. يدعون أنهم سمعونا “نتوشوش” حول الطعن. ومع أنني أحمل هوية القدس فلا فرق عندهم وقد غيروا القوانين ليحكموا بالسجن على من هو دون سن الرابعة عشرة. المحكمة المركزية الإسرائيلية هي التي أصدرت الحكم ضدي وهي تأتي من حيث التصنيف بعد المحكمة العليا، أما محكمة الأطفال العسكرية فهي لسكان الضفة الغربية. أي أن هناك عنصرية حتى في محاكمهم.

* كيف كانت مجريات المحكمة؟ هل استعنت بمحام؟

** كان هناك محام لكن كلما حاولت أن أتكلم معه أمنع. لقد تعرضت لكل أنواع الضغط النفسي والجسدي حيث كانت المحاكمة في سجن المسكوبية في القدس تستمر أحيانا ست ساعات متواصلة. كانوا يسلطون علي إضاءة كهربائية عالية في الليل كي يحرموني من النوم، وكانوا يجبرونني على الاستحمام بماء بارد أيام الشتاء، هذا عدا عن المسبات والشتائم القذرة. أما التهديدات فلم تتوقف وخاصة التهديد ضد الأهل ويقولون سنلحق الأذى بعائلتك ونهدم بيتكم وندمر مستقبلك.

*كيف كانت تجربتك في الأسر، وكيف كنتم تقضون الوقت؟

** كنت معتقلا مع 24 شخصا آخرين كلهم أطفال إلا أربعة في سن العشرين. وهذه في حد ذاتها انتهاك قانوني لأن القانون الدولي لا يجيز اعتقال الأطفال مع الرجال. كنا نصحو كل يوم الساعة السادسة والنصف، ونقوم بالتنظيف والترتيب لغاية الساعة الثامنة. ثم ننزل إلى المدرسة فكنت أتابع دراستي ضمن المنهاج الإسرائيلي المفروض علي باللغة العبرية علما أنني لا أعرفها. ولذلك يجب أن أعيد كل ما درسته حسب المنهاج الفلسطيني. لكن ثلاث سنوات من الاعتقال وإجباري على أخذ المواد بالعبرية خرجت وأنا أعرفها جيدا.

* دخلت السجن طفلا، وخرجت منه رجلا مرفوع الرأس. ما هي خلاصة تجربتك؟ ما هي الدروس التي تريد أن تنقلها للأجيال من هم في سنك أو أصغر؟

** أنا خسرت ثلاث سنوات من دراساتي ولو بقيت خارج المعتقل لما حدث ذلك. ولو بقيت حياتي طبيعية ربما أفيد شعبي أكثر. لا أندم على دخولي السجن ولكن لا أريد لطفل أن يستشهد وهو في سن المدرسة الأولى، أريده أن يتمسك بدراسته أولا. لكن الضربة التي لا تميتني تقويني، وهذا ما أشعر به الآن. وسأتجول في المدارس وأتكلم مع الطلاب في سني أو أصغر، وعهد التميمي تقوم بالشيء نفسه. أنا وعهد سنقوم بالعديد من النشاطات في هذا المجال لنحض الأطفال على التمسك بتعليمهم وتنمية مواهبهم. النضال عملية واسعة وتشمل كثيرا من الميادين. في مرحلة الطفولة نريد أطفالا يتابعون دروسهم ويتفوقون في كل مجال ويبدعون في الفن والعلم والطب والصحافة وغيرها. وأنا للعلم أقدر ما قامت به عهد وأحاول أن أكون مثلها. فمنذ طفولتها إلى الآن وهي تناضل وبطريقة جميلة ورائعة. قليلون من عملوا مثلما عملت عهد. فصفعتها للجندي دوت أصداؤها في كل العالم وكشفت تلك الصفعة ظلم وقهر وغطرسة الاحتلال وهذا ما يشجع الأجيال المقبلة على النضال بطرق سلمية وحضارية وقانونية مؤثرة.

* وما هي خططك الآن يا شادي بعد هذه التجربة المريرة التي أخذت من عمرك ثلاث سنوات؟

** بالنسبة لي سأدرس الهندسة أو الطب. ولكن عهد وأنا نخطط لإنشاء مؤسسة متخصصة في الدفاع عن الأطفال ونشر معاناتهم والعمل على تثقيفهم كي يتجنبوا بعض الأعمال التي قد تطيح بمستقبلهم وتنهي فرص تعليمهم. نريد جيلا واعيا يهزم الطرف الآخر بعلمه وأخلاقه أيضا.

تتدخل عهد التميمي لتقول: فكرتنا أنا وشادي أن ننقل تجربتنا لغيرنا من الأطفال وهناك عشرات بل ومئات من الأطفال الذين اعتقلوا بغير حق وذاقوا مرارة الاعتقال وظلام الزنازين. نقل التجربة من شخص عاشها أفضل من متخصص في علم النفس يتحدث مع الأطفال بطريقة أكاديمية جافة. مثلا تعلمت من أبي وأمي وأخي عند اعتقالهم عدم الاعتراف بأي ذنب. وعندما وقفت أمام القاضية تذكرت دروس أمي وأخي وأبي ورفضت الاعتراف بأي شيء. هذه تجارب تفيد الأطفال في حالة ما اعتقل أحدهم لأي سبب. نستطيع أن نحول تجاربنا في الأسر إلى قصص نسردها للطلاب في مدارسهم.

* وهل شكلتما هذا الإطار؟

شادي: لسنا وحدنا في هذا المجال كثيرون انضموا لنا من الذين ذاقوا مرارة الاعتقال والأسر ونحن الآن نسعى لتشكيل هذا الإطار، وتقويته ونسعى للحصول على دعم من وزارة التربية والتعليم للتمكن من زيارة المدارس والجامعات. ونحن الآن نتعاون مع جمعية “مساءلة” ورئيسها صيام نوارة، والد الشهيد الطفل نديم نوارة. و”مساءلة” جمعية تعنى بالتأكد من عدم إفلات منتهكي حقوق الأطفال وخاصة جرائم القتل من العقاب. نريد أن نفضح ممارسات الاحتلال لا بالمحاضرات الأكاديمية بل بنقل تجربة أطفال حقيقيين عاشوها في سجون ما يسمى زورا “الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”.

عهد التميمي

* هل ممكن تعريف القراء بعهد التميمي؟

** أنا الأسيرة المحررة عهد باسم التميمي. عمري الآن 18 عاما وعندما أسرت كنت طفلة لم أكمل السابعة عشرة. قضيت في الأسر ثمانية أشهر بسبب لكمة وجهتها لوجه أحد جنود الاحتلال الذي اقتحم بيتنا ومن حقي أن ألكمه. كانوا يريدون معاقبتي على ما فعلته هذه المرة والمرات السابقة. وبالنسبة لهم إهانة الجيش شيء عظيم أما أن جيش الاحتلال يهيننا ويدخل بيوتنا ليلا فلا يعني لهم شيئا. كانوا يريدون أن يكسروا معنوياتي وأصاب بالإحباط وأنا في المعتقل لكني خرجت مرفوعة الرأس وبتصميم أكبر على مواصلة النضال وبطرق مختلفة وسأعمل على إيصال رسالتي وصوتي إلى أكبر عدد من الناس من جميع الشعوب وفي كل الدول كي نكشف جرائمهم وبالتحديد ضد الأطفال.

* اعتقل والدك أكثر من مرة وكذلك والدتك. هل لك أن تصفي الأجواء الوطنية التي نشأت في ظلها وكيف تركت بصمتها على شخصيتك؟

** أحسست بالاحتلال وذقت مرارته وأنا عمري ثلاث سنوات. لم أنس رحلة رافقت فيها أمي لزيارة والدي في سجن النقب. اعتقل والدي 11 مرة، وأمي خمس مرات. واستشهد خالي أمام عيوني ولك أن تتخيل أثر ذلك على طفلة صغيرة ترى خالها يقتل أمامها بدم بارد. هذه الحوادث وغيرها الكثير تبين المعاناة التي يعيشها شعبنا بكل أطيافه. التجارب التي عشتها شخصيا هي التي قوت من عزيمتي وشدت همتي وجعلتني لا أخشى هذا العدو المتغطرس. أنا أناضل ضد الاحتلال لكي لا يبقى جيلي والأجيال المقبلة تعيش المعاناة والظلم والقهر الذي يجسده هذا الاحتلال البغيض.

* بعد هذه التجربة في الأسر، ما هي في رأيك أنجع وسيلة للنضال؟ كيف يمكن للأجيال المقبلة مقاومة الاحتلال؟

** إنني مقتنعة الآن بأن أول ما نحتاجه هو التعليم. فالعلم سلاح أمضى ضد الاحتلال لأننا سنستخدم عقولنا. لكن يبقى الشعب الفلسطيني هو الذي يقرر وسائل النضال المناسبة لتحقيق هدف دحر الاحتلال. الشعب هو صاحب القرار. من أنا حتى أعلم الشعب الفلسطيني العظيم كيف يناضل؟ إنه صاحب القول والإرادة ويعرف وسائل النضال التي تحقق أهدافه في التحرر ولا أعتقد أنه سيتخلى عن هذا الهدف مهما واجه من مصاعب.

* هل لديك قناعة أن الشعب الفلسطيني قادر على انتزاع الانتصار رغم الصعوبات؟

** نعم بالتأكيد. هذا شعب الجبارين. لا شك أنه قادر على انتزاع النصر بنضاله ووحدته وإصراره وتضحياته. لكن الوحدة شرط من شروط الانتصار.

* حدثينا عن تجربة الأسر. كيف كانت حياتك اليومية؟ وهل تعرضت فعلا لمضايقات جسدية ونفسية؟

** الروتين داخل السجن من أكثر أنواع المعاناة للأسير. وكان أمامنا تحد هو كيف نكسر الروتين بحيث نحول المعاناة إلى خبرة وتعلم؟ وقد وجدنا أن التعلم هو الوسيلة الأنجع لاختراق الروتين وتحويل التجربة إلى إبداع. لقد حولنا السجن إلى مدرسة وهو ما يزعج العدو. الكل يدرس والكل يدرّس. تابعت دروسي وأنا في السجن رغم تدخلاتهم. فكانوا يغلقون الغرف ويعلنون الطوارئ عندما يشاهدوننا نعلم أو نفتح كتابا أو نعقد جلسة نقاش. والطوارئ يعني إعادتنا إلى الغرف. وكان ممنوعا علينا أن ندرّس عن فلسطين أو نتعلم شيئا عنها. وقد يعيدون محاكمة الأسير بتهمة التحريض لو ضبط يقرأ أو يعلم عن فلسطين. فرغم الصعوبات التي كنت أعاني منها أنا وبقية الأسيرات إلا أننا تحدينا السجن والسجان وتابعنا تعليمنا.

* حدثينا عن تجربتك مع الأسيرات، وكيف وجدت معنوياتهن؟

** تعرفت على كل من كنّ معي في المعتقل. وأكثر أسيرة تعلمت منها وأثرت فيّ هي خالدة جرار، عضو المجلس التشريعي. لقد تعلمت منها الكثير وقدمت لي الكثير من النصائح. كانت تلفت انتباهي إلى كثير من المسائل القانونية. السجانات الإسرائيليات كن غليظات جدا يتفنن في كيل الشتائم والمسبات لكل الأسيرات. كنت أسمع الشتائم موجهة لي، وكن يصرخن عليّ ويمنعني من النوم بتسليط الضوء العالي لأوقات طويلة فأبقى أحيانا يومين كاملين بدون نوم. كانت جلسات المحكمة تستخدم كوسيلة ضغط على أعصاب الأسير أو الأسيرة في ظل عدم وجود أهل أو محام. كنت في فترة التحقيق ما زلت طفلة “قاصر” من المفروض أن ترافقني مجندة لكن كانوا يرسلون معي جنديين كمرافقين. وكانوا يفتشونني تفتيشا عاريا قبل المحكمة وبعدها.

* سؤال مختلف وأرجو أن تتقبليه بروح إيجابية. قيل الكثير حول عطاء عهد المتواضع ولقيت من الاهتمام أكثر مما تستحقين. لقد حول الإعلام عهد التميمي إلى أيقونة المقاومة وبطلة أسطورية علما أن هناك أسيرات عانين أكثر بكثير من عهد. فما ردك على هذه المقولة؟

** لست مضطرة أن أبرر شيئا لأحد. لم أرتكب أي خطأ حتى أبرر أو أعتذر. هذه مشكلة الإعلام وليست مشكلتي. كنت في الأسر ولم أكن على علم بهذه الحملة أصلا. وأرى الأمر من منظار آخر: هناك تقصير في إشهار معاناة الأسرى الآخرين. من حق الأسرى جميعا وخاصة الأطفال أن تكون قصص معاناتهم معروفة محليا ودوليا. إسرائيل كان عندها أسير واحد هو جلعاد شاليط، جعلت كل الدنيا تعرفه وتحفظ اسمه بمن فيهم أنا. إعلامنا مقصر والتقصير غير مبرر. أما أن يسقطوا هذا التقصير علي فهذا غير مقبول، ما ذنبي أنا؟

* ما هي الخطوة التالية وكيف ستواصلين النضال؟

** في المرحلة الحالية سأركز على دراستي. قررت أن أدرس القانون الدولي كي نصل المحاكم الدولية ونعمل بقوة القانون لتحرير فلسطين ليس فقط من الاحتلال بل ومن التخلف والظلم. يجب أن نربط بين النضال السياسي والنضال الاجتماعي فعندما نحرر وطننا من الاحتلال نريده أن يكون مجتمع العدل والمساواة والقانون.

كلمات مفتاحية
حاورهما: عبد الحميد صيام
نشر

 

 

المصدر  - صحيفة القدس العربي -